حين يكون البقاء إنجازًا

جواد النابهي:
في زحام الأيام الأخيرة من العام، حيث تتعالى الأصوات معلنة إنجازاتها الصغيرة والكبيرة، يقف بعضنا على الهامش صامتًا، يقلب دفاتره فلا يجد ما يرفعه عاليًا أمام الآخرين، لا شهادات تُعلق، ولا أرقام تُدون، ولا صور تُنشر لتنال الإعجاب؛ لكن الحقيقة حين نمعن النظر، أبسط وأعمق من كل ذلك؛ فليس كل ما يستحق الفخر يُرى، ولا كل إنجاز يُقاس بما يُقال عنه.
أحيانًا، يكون الإنجاز أن تنجو، أن تعبر عامًا مثقلًا بالتعب، مثخنًا بالخذلان، وأن تصل إلى نهايته وما زال قلبك ينبض، وما زالت في روحك مساحة للحياة؛ أن تنجو من نفسك قبل أن تنجو من الآخرين، وأن تخرج من معاركك الخفية دون أن تفقد قدرتك على المحبة أو الأمل، أن تتعثر مرارًا، ثم تقوم في كل مرة؛ لا لأنك قوي، بل لأنك لم تجد خيارًا سوى الإستمرار؛ وهذا في حد ذاته إنجاز عظيم، وإن لم يصفق له أحد.
كم من حروبٍ خضناها بصمتٍ، وكم من ليالٍ أثقلها الدعاء، وكم من لحظاتٍ كُدنا نفقد فيها إيماننا بأن الغد يمكن أن يكون أفضل، ومع ذلك بقينا؛ بقينا لأن في داخلنا شيئًا يأبى الإنطفاء، لأن الله كان معنا حين ظننا أننا وحدنا، ولأن رحمته سبقت يأسنا في كل مرة.
لذلك، أرفق بنفسك:
لا تقسُ عليها وهي التي حملتك فوق طاقتها، وسارت بك في طرقٍ وعرة لم تخترها، وواجهت عنك ما لم يعرفه أحد، أرفق بها لأنها صبرت حين كان الإنكسار أسهل، وتمسكت بخيط الأمل حين بدا كل شيءٍ معتمًا، يكفيها فخرًا أنها لم تتخلَّ عنك، وأنها ما زالت تقودك إلى الحياة، خطوةً بعد خطوة.
وفي أحلك العتمات، يظل الأمل حاضرًا لا يغيب، يقول الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾؛ ثلاث ظلمات اجتمعت، ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت، ومع ذلك، كان النداء مسموعًا، وكان الفرج قريبًا، رسالةٌ خالدة تقول لنا إن الدعاء لا يضيع، وإن الله يسمع ولو أحاطت بك الظلمات من كل جانب، فلا تيأس، فبين الكاف والنون مسافة رحمة، وأمرٌ إذا أراده الله كان، ولو استحال في نظر البشر.
ومع بزوغ عامٍ جديد نمضي:
نمضي لا لأن الطريق بات واضحًا، بل لأن التوكل أقوى من الخوف، نمضي وقلوبنا معلقة بالسماء، نُرمم ما تصدع في داخلنا، ونُداوي ما لم يلتئم بعد؛ نمضي ونحن نؤمن أن الله لا يخذل من أحسن به الظن، وأن خلف كل تأخير حكمة، وخلف كل منع عطاء مؤجل.
نحمل معنا ما تعلمناه في الخفاء؛ دروسًا لم تُكتب في السجلات، ولم تنشر في الصفحات، لكنها نُقشت في الروح، تعلمنا أن بعض الخسارات كانت نجاة، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا كانت حماية، وأن الله حين يؤجل لا يمنع، وحين يُبطئ لا ينسى؛ تعلمنا أن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل ثقةٌ عميقة بأن الله يُدبر الأمر في الوقت المناسب.
ولعلّ أجمل ما في البقاء، أنه يمنحنا فرصة أخرى للفهم؛
أن نفهم أنفسنا بعمقٍ أكبر، أن نتصالح مع هشاشتنا بدل أن نخجل منها، وأن نُدرك أن القوة ليست غياب الألم، بل القدرة على العيش معه دون أن يُفقدنا إنسانيتنا، فكم كُنا قساة على ذواتنا، نطالبها بما يفوق طاقتها، ونعاتبها لأنها تعبت، وكأن التعب عيب، وكأن الإنكسار نهاية لا مرحلة.
ننسى أحيانًا أن الله لم يخلقنا لنكون دائمًا في القمة، بل لنتعلم الصعود بعد السقوط، لم يخلق الطريق مستقيمًا دائمًا، بل متعرجًا ليُعلمنا الصبر والتسليم، وحُسن الظن، وفي كل عثرة رسالة، وفي كل تأخير تربية خفية، وفي كل وجع مساحة يقترب فيها الله من قلوبنا أكثر مما نتصور.
وحين ننظر إلى الوراء، سنكتشف أن أكثر اللحظات قسوة كانت هي ذاتها التي أعادت تشكيلنا، أن الأيام التي حسبناها ضياعًا، كانت تُعدنا لشيءٍ لم نكن نراه، وأننا لم نخرج من العام الماضي كما دخلناه؛ خرجنا أقل سذاجة، أكثر وعيًا، وأقرب لأنفسنا، وربما أقل ضجيجًا، لكن أكثر صدقًا.
ليس مطلوبًا منك أن تدخل العام الجديد كاملًا، قويًا، بلا خوف؛ يكفي أن تدخله صادقًا مع نفسك، معترفًا بتعبك، ومؤمنًا بأن الله يرى ما لا يراه الناس، يكفي أن تحمل نية طيبة، وقلبًا لا يزال يرجو، ودعاءً لا يزال يُرفع في الخفاء، فالله لا ينظر إلى كثرة ما حققنا، بل إلى صدق ما في قلوبنا.
وإن شعرت يومًا أن خطواتك بطيئة، فلا تحزن؛ البطء ليس فشلًا، بل أحيانًا رحمة، فليس كل من سبقك وصل، وليس كل من تأخر خسر، بعض القلوب تحتاج أن تمشي على مهل، لأنها تحمل أوجاعًا لم تُشفَ بعد، وأحلامًا تخاف أن تنكسر من جديد، والله لطيف، لا يعجل بما قد يرهقك، ولا يحملك ما لا تطيق.
ونعبر إلى العام الجديد برجاءٍ صادق، لا بطموحٍ صاخب؛ رجاء أن يكون ألطف وأقل قسوة، أن يحمل بعض ما تأخر من الأمنيات، وأن يُعيد إلينا ما سُرق من الطمأنينة، نسأل الله أن يجبر الخواطر، وأن يُبدل التعب سكينة، والحزن طمأنينة، وأن يجعل القادم خيرًا وسلامًا على وطننا اليمن، وعلى سائر الأوطان العربية والإسلامية، وعلى كل قلبٍ أنهكته الأيام.
وإن تعثرنا في الطريق، فليس في التوقف ضعف؛ الضعف الحقيقي أن نُكابر على الألم، وأن نُصر على الإستمرار دون وعي أو شفاء، أما أن نتوقف لالتقاط أنفاسنا، وأن نعيد ترتيب أرواحنا، فذلك شجاعة، فما دام في الصدر نَفَس، وفي القلب يقين، فالقادم – بإذن الله – يستحق الصبر.
في العام الجديد، لا تسأل كثيرًا ماذا سأحقق؟ بل اسأل كيف سأكون؟ هل سأكون أهدأ؟ أصدق؟ أقرب إلى الله؟ أرحم بنفسي وبالآخرين؟ فهذه إنجازات لا تُكتب في السير الذاتية، لكنها تُنقذ الأرواح، وإن خذلك العالم، فتذكر أن الله لم يفعل، وإن ضاقت بك الأسباب، فتذكر أن السماء لا تُغلق، وإن طال الانتظار، فتذكر أن الله إذا أعطى أدهش، وإذا جبر أذهل، وإذا عوض أنسى ما قبله.
هكذا ندخل عامًا جديدًا، لا متباهين بإنجازاتٍ صاخبة، بل ممتنين للبقاء، شاكرين للستر، مؤمنين بأن النور، مهما تأخر، لا بد أن يأتي، وأن نُسلم أمرنا لله، ونُمسك بالأمل كما يُمسك الغريق بخشبة النجاة، ونوقن أن كل صباح جديد هو دليل على أن الله لم ينتهِ بعد من قصتنا.
فلا تحتقر نجاتك.
ولا تستهِن ببقائك.
ولا تقارن وجعك بوجع غيرك.
كفى أنك عبرت.
وكفى أنك ما زلت واقفًا تحاول.
وكفى بالله في كل عام، وكيلًا، وجابرًا، وسندًا.




